محمد هادي معرفة

114

التمهيد في علوم القرآن

ولا معاظلة ، ولا تناكر ولا تنافر . وهكذا ترى كلاما ليس بالحضري الفاتر ، ولا بالبدوي الخشن ، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها برقّة الحاضرة وسلاستها ، وقدّر فيه الأمران تقديرا لا يبغي بعضهما على بعض ، فإذا مزيج منهما ، كأنّما هو عصارة اللغتين وسلالتهما ، أو كأنّما هو نقطة الاتّصال بين القبائل عندها تلتقي أذواقهم ، وعليها تأتلف قلوبهم . من هذه الخصوصيّة والتي قلبها تتألّف القشرة السطحيّة للجمال القرآني ، وليس الشأن في هذا الغلاف إلّا كشأن الأصداف ممّا تحويه من اللئالئ النفيسة ، فإنّه - جلّت قدرته - أجرى سنّته في نظام هذا العالم أن يغشّي جلائل أسراره بأستار لا تخلو من متعة وجمال ، ليكون ذلك من عوامل حفظها وبقائها ، بتنافس المتنافسين فيها وحرصهم عليها . . فقد سبقت كلمته أن يصون علينا نفائس العلوم التي أودعها هذا الكتاب الكريم ، ومن ثمّ قضت حكمته أن يختار لها صوانا يحبّبها إلى الناس بعذوبته ، ويغريهم عليها بطلاوته ، ويكون بمنزلة « الحدّاء » يستحثّ النفوس على السير إليها ، ويهوّن عليها وعثاء السفر في طلب كمالها ، لا جرم اصطفى لها من هذا اللسان العربي المبين ذلك القالب العذب الجميل . ومن أجل ذلك سيبقى صوت القرآن أبدا في أفواه الناس وآذانهم ما دامت فيهم حاسّة تذوّق وحاسّة تسمّع ، وإن لم يكن لأكثرهم قلوب يفقهون بها حقيقة سرّه ، وينفدون بها إلى بعيد غوره إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 » . هل عرفت أنّ نظم القرآن الكريم يجمع إلى الجمال عزّة وغرابة ؟ وهل عرفت أنّ هذا الجمال كان قوّة إلهيّة حفظ بها القرآن من الفقد والضياع ؟ فاعرف الآن أنّ هذه الغرابة كانت قوّة أخرى قامت بها حجّة القرآن في

--> الرافعي ، كما أشار إليه الزملكاني من ذي قبل فيما مرّ من كلامه الآنف . وهذا جانب دقيق من سرّ إعجاز القرآن التأليفي فتنبّه . ( 1 ) الحجر : 9 .